السيد محمد الصدر

99

ما وراء الفقه

والإعراض عن الشهوات وإهمالها والصبر على ترك إشباعها ، مطلوب في الشريعة بلا إشكال . بدلالة هذه الآيات التي ذكرناها وغيرها . إلَّا أن مستوي التركيز على المطلوبية يختلف من ناحية . والمكلف الذي تطالبه الشريعة بذلك يختلف أيضا حسب القسمين السابقين . فالإعراض عن الشهوات المحرمة ، مطلوب عام من كل أحد ، لوضوح أن التورط فيها تورط في محرم . وكذلك بشكل وآخر ، فإن الإعراض عن شهوة التوسع في العيش وزيادة المال والرفاه أيضا مطلوب في الشريعة . ويدل عليه عدة آيات من القرآن الكريم منها قوله تعالى « 1 » * ( وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا ) * - * ( وَما لَه ُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ) * . وهي واضحة في أن الطلب المتزائد للدنيا يوازي ويستلزم عدم دخول الجنة . وكذلك تدل عليه الآية السابقة « 2 » * ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعامِ وَالْحَرْثِ . ) * * ( ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا . وَا للهُ عِنْدَه ُ حُسْنُ الْمَآبِ ) * . وهي واضحة في التنافي ( التقريبي ) بمعنى التوسع في دار الدنيا وحسن المآب . ولذا يقول سبحانه بعد ذلك مباشرة * ( قُلْ أَ أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ ا للهِ . وَا للهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ) * . وفيها دلالة على التنافي بين الطلب المتزائد للدنيا والحصول على الرضوان . ومعه يتضح أن المراد من ( النساء ) والبنين هنا أعني في هذه الآية ، ليس هو مجرد الزواج بل هو الاستكثار منهن ، بقرينة ما ذكر بعد ذلك من الاستكثار من البنين والأموال المعدودة في الآية . ومعه يكون الاستكثار من النساء بصفته مصداقا لكثرة طلب الدنيا ، أمرا مرجوحا شرعا . وهذا لا يستلزم أن يكون

--> « 1 » الشورى : 20 . « 2 » آل عمران : 14 .